الباحث القرآني

وقوله جل وعز: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾. فهذا استثناءٌ ليس من الأول. قال أبو إسحق: المعنى ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ألبتَّةَ، ثم قال: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ [أي] لكنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً. ومَنْ قال: إن ﴿إلا﴾ بمعنى الواو فَقَوْلُهُ خَطَأٌ مِنْ جهتين: إحداهما: أنه لا يُعرفُ أن تكون (إلا) بمعنى حَرْفٍ عاطفٍ. والجهة الأخرى: أن الخطأ لا يحصرَ، لأنه ليس بشيء يُقْصَدُ، ولو كان يُقصَدُ لكان عمداً. وذكر سيبويه أن (إلاَّ) تأتي بمعنى (لكنْ) كثير، وأنشد: مَنْ كانَ أسَرعَ في تَفَرُّقِ فَالجٍ * فَلَبُونُهُ جَرِبتْ مَعَاً وأُغَدَّتِ إِلاَّ كَنَـا شِـرَةَ الذَّي ضيَّعتُمُ * كالغُصْن في غُلَوَائِهِ المتَنَبّتِ وكان سبب نزول هذه الآية فيما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن "عيَّاش بن أبي ربيعة" أخا أبي جهلٍ لأمه، قتل رجلاً مؤمناً كان يُعذِّبه مع أبي جهل في اتباع النبي ﷺ، فحَسِب أنه كافر كما هو فقتله. * وقوله جل وعز: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾. وإنما غُلِّظَ في قتل الخطأ لِيُتَحَرَّرَ من القتل. والمعنى إلاَّ أن يتصدقوا عليكم بالدِّيَةِ. ورُويَ عن أُبيِّ بن كعب أنه قرأ: ﴿إِلاَّ أَنْ يَتَصَدَّقُوْا﴾. وقرأ أبو عبدالرحمن السلميّ: ﴿إِلاَّ أَنْ تَصَّدَّقُوْا﴾. والمعنى: إلا أن تتصدقوا، ثم أَدغم التاء في الصَّاد. ويجوز على هذه القراءة: إلا أن تَصَدَّقُوا، بحذف إحدى التاءَيْنِ. وقولُه جل وعز: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. معنى ﴿عَدُوٍّ﴾ كمعنى أعداءٍ. ورَوَى عكرمة عن ابن عباس أن المعنى: وإن كان مؤمناً وقومه كفار، فلا تدفعوا إليهم الدية، وعليكم عتق رقبة. فمعنى هذا إذا قُتِلَ مسلمٌ خَطَأً، وليس له قومٌ مسلمون، فلا دِيَةَ على قاتله، كان قتلهُ في دار المسلمين أو في دار الحرب. ورَوَى عطاءُ بنُ السائب، عن أبي عياضٍ: قال: كان الرجلُ يَجِيْءُ يُسلِمُ، ثم يأتي قومه، وهم مشركون، فيقيم معهم، فَيَفِرُّوْنَ، فَيُقْتَلُ فيمن يُقتَل، فنـزلت: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. قال: وليس له دِيَةٌ. فمعنى هذا أن يُقتل في دار الحرب خاصَّةً. وقال قومٌ: وإن قُتِل في دار الإِسلام فَحُكْمُهُ حُكْمُ المسلمين. * ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. قال الزهري: الميثاقُ: العَهْدُ. فالمعنى: إن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم عهدٌ، فادفعوا إليهم الدِّيَةَ، لِئَلاَّ تُوغِرُوا صُدُوْرَهُمْ. * ثم قال جل وعز: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. أي فمن لم يجدِ الدِّيَةَ وعِتْقَ رَقَبَةٍ فعليه هذا. ﴿تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾. أي فَعَلَ هذا ليتوبوا توبةً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.