الباحث القرآني

وقوله جل وعز: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾. رَوى إسماعيلُ عن أبي صالح ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ﴾؟ قال: العذابُ. وروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: أتُكَذِّبُونَ بالقرآنِ، ولا تُعَاقبونَ؟ قال أبو جعفر: المعنى على هذين القولين: أفنضرب عنكم ذكر العذاب. ومذهب قتادة أن المعنى: أفنهملكم، ولا نأمركم، ولا ننهاكم؟ قال أبو جعفر: يقال: ضربت عنه، وأضربتُ أي تركته. * ثم قال جلَّ وعزّ ﴿صَفْحاً﴾ أي إعراضاً. يجوز أن يكون المعنى: أفنصفح عنكم صفحاً، كما يُقال: هو يَدَعُه تركاً. ويجوز أن يكون المعنى: أفنضرب عنكم الذكر صافِحين، كما يُقال: جاء فلانٌ مَشْياً. ومعنى صفحتُ عنه: أعرضت عنه أي ولَّيْتُه صفحةَ عُنُقي، قال الشاعر: صَفُوحاً فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بَخِيلَةً * فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ * ثم قال جل وعز: ﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾. قال قتادة: أي مشركين. قال أبو جعفر: المعنى لأن كنتم، إذا فتحتَ ﴿أَنْ﴾ وبذلك قرأ الحسن، وأبو عمروٍ، وابن كثير. وقرأ أهل المدينة، وأهلُ الكوفةِ بالكسر، وهو عند قوم من أهل اللغة لحنٌ، منهم أبو حاتم، وإنما صار عندهم لحناً، لأنهم إنما وُبِّخُوا على شيءٍ قد ثبت وكان، فهذا موضع "أَنْ" مفتوحة، كما قال سبحانه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾. قال أبو جعفر: وهذا عند الخليل، وسيبويه، والكسائي، والقُرَّاء جيِّدٌ. قال سيبويه: سألتُ الخليل عن قوله - يعني الفرزدق -: أَتَغْضَبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا * جِهَاراً وَلَمْ تَغْضَبْ لَقَتْلِ ابنِ خَازِمٍ فقال: هي "إنْ" مكسورة، لأنه قبيح أن يُفصل بين "أَنْ" والفعل. قال أبو جعفر: وهذا شيءٌ قد مَضَى. قال أبو إسحاق: وهذا يكون بمعنى الحال، إذا كان في الكلام معنى التوبيخ والتقرير، أي أهذه حالك؟. قال أبو جعفر: فَعَلى هذا قولُه ﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.