الباحث القرآني

ثم قال جل وعز: ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. ولم يأت بالمماثل. في معناه ثلاثة أقوال: أ- منها أن مَثَلاً بمعنى: "صفة" قال ذلك النَّضْرُ بنُ شُميل، والفرَّاء. ورُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قرأ ﴿أَمْثَالُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾. قال أبو جعفر: فهذا قولٌ، ويكون على هذا "مَثَلٌ" على معنى "مِثْلٍ" ويكون فيه خلاف معناه، كما أن في "عِدْلٍ" خلاف معنى "عَدْل". ب- وقيل المعنى: مَثَلُ الجنة التي وُعد المتقون، فيما تعرفون في الدنيا، جَنَّةٌ فيها أَنْهَارٌ. ج- والقول الثالث: أن المعنى على التوبيخ والتقرير، أي مثل الجنة التي وُعِد المتقون، كمن هو خالد في النار؟ أي مثل المطيع عندكم كمثل العاصي؟ وروى معمر عن قتادة ﴿مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال: غير منتنٍ. قال قتادة: الآسِنُ: المتغَيِّرُ، الآجِنُ. قال أبو جعفر: قولُ قتادة أصحُّ، لأنه يُقال: أَسَنَ الماءُ يَأْسَنُ ويَأْسُنُ فهو آسِنٌ وأَسِنٌ: إذا أنتن فلم يقدر أحد على شربه، وأَجِنَ يَأْجَنُ وَهو آجنٌ: إذا تغيَّر، وإن كان شُرِبَ على كُرْهٍ. * وقوله جل وعز: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾. يُقال: شرابٌ لذيذٌ، ولَذٌّ. ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ أي ليس كعسل الدنيا، الذي فيه الشَّمعُ وغيرُهُ. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ولهم مغفرةٌ من ربهم. * ثم قال تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ﴾؟ قال أبو جعفر: قد تقدَّم القول فيها. وفيها قولٌ آخر، وهو أن المعنى: أمَّنْ يُخَلَّد في الجنَّةِ، وفي هذا النعيم المذكورِ، كمن هو خالدٌ في النار؟ ثم حُذِفَ هذا، لعلم السَّامع، كما قال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾. وإن كان قد قيل إن المعنى: يا من هو قانتٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.