الباحث القرآني

من ذلك قوله جل وعز: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾. روى قتادةُ عن أنس قال: نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ بعد رجوع النبيِّ ﷺ من الحديبية، فقال رسول الله ﷺ: لقد نزلت عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدنيا ثم تَلاَها، فقال رجلٌ من المسلمين: هنيئاً مريئاً، هذا لكَ يا رسولَ اللهِ، فماذا لنا؟ فأنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى آخر الآية. قال مجاهد في قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ قال: قضينا لك قضاءً بيِّناً. قال سفيان: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ أي ما كان في الجاهلية، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال: ما كان في الإِسلام، ممَّا لم تعمله بعد. قال ابو جعفر: في قوله جلَّ وعز ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ ثلاثة أقوال متقاربة: أ- منها ما تقدم أنه فتح الحديبية، والحديبيةُ بئرٌ سُمِّي المكان باسمها. قال أبو جعفر: ولا أعرف أحداً من أهل اللغة يُشدِّدُ الياءَ منها، وكان في فتحها أعظمُ الآياتِ، لأنَّ النبي ﷺ فيما رُوِيَ وَرَدَ على هذه البئر، وقد نُزف ماؤها، فتمضمض ﷺ وَتَفَل فيها، فأقبل الماءُ، حتى شرب كلُّ من كان معه، ولم يكن بينهم إلاَّ تَرَامٍ، حتى كان الفتح، هذا قولٌ. ب- وقيل المعنى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ باجتناب الكبائر ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ الصغائر. ج-وقيل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ بالهداية إلى الإِسلام. فهذه الأقوال متقاربة، وقول مجاهدٍ يجمعها، لأنَّ فتح الحديبية قضاءٌ من قضاء الله، وهدايةٌ من هدايته، يهدي بها من شاء، وكذلك اجتنابُ الكبائر. وقد روي عن ابن عباس، ما يقوِّيه، قال: ما كنتُ أدري ما معنى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ حتى قالت لي ابنة مشرح: فَتَحَ اللهُ بيني وبينك. * وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.