الباحث القرآني

وقولُه جل وعز: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾. في هذا أقوال: فمن أحسنها أنَّ هذا على التسليم لله جلَّ وعز، وقد علم أنه لا يغفر لكافر، ولا يُدرى أَكفروا بعدُ أم آمنوا؟. ومن الدليل على صحة هذا القول أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "يُحشر النَّاسُ يوم القيامة عُرَاةً، حُفَاةً عُزْلاً، وقرأ ﷺ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فيؤمر بأمتي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم بعدك، فأقولُ كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدَاً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ وقرأ إلى قوله ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾". وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قام ليلة يردّد ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنِّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾. وقيل: إنه معطوف على قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ والمعنى على هذا القول: ما قلتُ في الدنيا إلاَّ هذا. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: لا يراد بهذا مغفرة الكفر، وإنما المعنى: ولأن تغفر لهم كذبهم عليّ، وحكايتهم عني ما لم أقل. وقال أبو اسحق: قد علم عيسى ﷺ أن منهم من آمن، فالمعنى عندي ـ والله أعلمُ ـ إن تعذبهم على فِريتهم وكفرهم، فقد استحقُّوا ذلك، وإن تغفر لمن تاب منهم بعد الافتراء العظيم والكفر، وقد كان لك أن لا تقبل توبته بعد اجترائه عليك، فإنك أنت العزيز الحكيم. وأمَّا قول من قال: إن عيسى ﷺ لم يعلم أن الكافر لا يغفر له، فقولٌ مجترءٌ على كتاب الله جل وعز، لأن الإِخبار من الله جل وعز لا ينسخ. وقيل: كان عند عيسى ﷺ، أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلاَّ أنهم على عمودِ دينه، فقال ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحدثوا بعدي من المعاصي.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.