الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ﴾. يقال: مَيْتَةٌ ومَيِّيَةٌ بمعنى واحد، هذا قول من يوثق به من أهلُ اللغة. وقيل: الميِّتَةُ ما لم تمت بعد، والمْيتَة التي قد ماتت. ورُوي أنهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ثم يشوونها ويأكلونها، فحرَّم الله جلَّ وعز الدم المسفوح، وهو المصبوب. * ثم قال جل وعز: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾. أي ذبح لغير الله، وذَكَرَ عليه غير اسمه. وأصلُ الإِهلال: الصوتُ، ومنه سُمِّي الإِهلالُ بالحج، وهو الصوتُ بالتلبية، وإيجابِ الحج، ومنه استهلالُ المولود، ومنه أهلَّ الهلالُ، لأن الناس إذا رأوه أومأوا إليه بأصواتهم. * ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمُنْخَنِقَةُ﴾. قال قتادة: هي التي تموت في خناقها. * ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمَوْقُوذَةُ﴾. قال الضحاك: كانوا يأخذون الشاه أو غيرها من البهائم فيضربونها عند آلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها. ويُقال: وَقَذَهُ، وأَقَذَهُ، فهو مَوْقَوْذ ومُوقَذ، إذا ضربه حتى يشفى على الهلاك، ومنه قيل: فلانٌ وقيذ. * ثم قال جلَّ وعز ﴿وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ﴾. قال الضحاك: المترديةُ: أن تتردى في ركيّةٍ أو من جبل، ويقال: تردى إذا سقط، ومنه ﴿وَمَا يُغْني عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾؟. والنطيحةُ: المنطوحةُ. * ثم قال جل وعز: ﴿وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ﴾. أي ما افترسه فأكل بعضه. وقرأ الحسن: السَّبْعُ، وهو مُسَكَّن استثقالاً للضمة. * ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. والتذكية: أن تشخُبَ الأوداج دماً، ويضطرب اضطراب المذبوح. وأصلُ التذكيةِ في اللغة: التمامُ، وقال زهير: يُفضِّلُهُ إذَا اجتَهَدَا عَلَيهِ * تَمَامُ السِنِّ منهُ والذَّكَاءُ ومنه لفلان ذكاء أي هو تام الفهم، وذكيتُ النار: أي أتممت إيقادها. وذكَّيْتُ الذبيحة: أتممت ذبحها على ما يجب. * ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾. وقرأ طلحةُ (عَلَى النُّصْبِ). قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وربما استبدلوا منها. ويجوز أن يكون جمع نصاب. * ثم قال جل وعز: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ﴾. قال قتادة: كان أحدهم إذا أراد أن يخرج، كتب على قدح يعني السهم "تأمرني بالخروج" وعلى الآخر "لا تأمرني بالخروج" وجعل بينهما سهماً منيحاً لم يكتب عليه شيئاً، فيُجِيلُها فإن خرج الذي عليه تأمرني بالخروج خرج، وإن خرج الذي عليه لا تأمرني بالخروج لم يخرج، وإن خرج المنيح رجع فأجالها. وإنما قيل لهذا الفعل استقسامٌ، لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون، كما يقال الاستسقاء في الاستدعاء للسقي. ونظير هذا الذي حرمه الله قول المنجِّم: لا تخرج من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم كذا. وقال جل وعز: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. قال أبو جعفر: وذكر محمد بن جرير أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيضٌ كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع هي الشطرنج * ثم قال جل وعز: ﴿ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾. والفسقُ: الخروج، أي الخروج من الحلال إلى الحرام. * وقوله جل وعز: ﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾. قال ابن عباس: ﴿يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾. المعنى: يئس الذين كفروا أن تعود الجاهلية. وقال ورقاء: المعنى: ألآن يئس الذين كفروا من دينكم. وهذا معروف عند أهل اللغة كما تقول: أنا اليوم قد كبرتُ عن هذا. * وقوله جل وعز ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. رُوي أن أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر رضي الله عنه: نزلت في يوم جمعة، يوم عرفة. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: الآن أكملت لكم دينكم، بأن أهلكتُ عدوَّكم، وأظهرتُ دينكم على الدِّينِ كلِّه، كما تقول: قد تمَّ لنا ما نريد، إذا كفيتَ عَدوَّك. ويجوز أن يكون المعنى: اليوم أكملت لكم دينكم فوق ما تحتاجون إليه من الحلال والحرام في أمر دينكم. ورَوَى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة أنه قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها "تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذةُ، والمترديةُ، والنطيحةُ، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، والاستقسام بالأزلام، وتحليلُ طعام الذين أوتوا، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والجوارح مكلبين، وتمام الطَّهور ﴿إذا قُمْتُم إِلى الصَّلاَةِ فَاْغسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلا سَائِبَةٍ، وَلاَ وَصِيلَةٍ، وَلاَ حَامٍ﴾". ويُروى أنها آخر سورة أنزلت. وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. المخمصةُ: ضُمُورُ البطنِ من الجوعِ. * ثم قال جل وعز: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾. قال قتادة: الإِثم: ها هنا أن تأكل منها فوق الشبع. * ثم قال جل وعز: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي رَحِمَكم فأباح لكم هذه الأشياء عند الضرورة.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.