الباحث القرآني

وقولُه جل وعز: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. أي فيها بيانُ أمرِ النبيِّ ﷺ، وما جاءوا يستفتون فيه. * ثم قال جل وعز: ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾. يجوز أن يكون المعنى: فيها هدىً ونورٌ للذين هادوا، يحكم بها النبيُّون. ويجوز أن يكون المعنى: يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، ثم حُذف. وقد قيل: إن "لهم" بمعنى "عليهم" وتأول حديث النبي ﷺ في أمر بريرة، حين قال "اشترطي لهم الولاء" أن معناه "عليهم" لأنه ﷺ لا يأمرها بشيء لا يجب، وقال الله جلَّ ذكره ﴿وَإنْ أَسَأْتُم فَلَها﴾. و ﴿الَّذينَ أَسْلَمُوا﴾ ههنا نعتٌ فيه معنى المدح، مثل ﴿بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ﴾. قال أبو رزين: الربَّانيوُّن: العلماءُ، الحكماء. والرَّبَّانيُّ عند أهل اللغة: معناه ربُّ العلم أي صاحبُ العلم، وجيءَ بالألِف والنون للمبالغة. ويقوِّي هذا أنه يُروى أنَّ ابن الحنفية ـ رحمةُ الله عليه ـ قال لمَّا مات ابن عباس: "ماتَ رَبَّانيُّ العلمِ". وقال مجاهد: الربَّانيون فوق الأحبارِ، والأحبارُ: العلماءُ، لأنهم يُحَبِّرون لشيء، وهو صدورهم مُحَبَّر. وقال ابن عباس: سُمِّيَ الحِبْرُ الذي يُكتب بهِ حِبْراً، لأنه يُحبَّر به أي يُحقَّق به. وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحَبْرُ حَبْراً؟ فقال: يقال للعالم حَبْرٌ، وحِبْرٌ، والمعنى: مدادُ حبرٍ، ثم حذف كما قال تعالى ﴿وَاسْألِ القَرْيَةَ﴾ فسألتُ الأصمعيَّ فقال: ليس هذا بشيءٍ، إنما سمي حَبْراً لتأثيره، يقال: على أسنانه حَبْرَةٌ أي صُفرةٌ، أو سواد. * ثم قال جل وعز: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾. أي استودعوا. وقولُه جل وعز: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾. قال ابن عباس: هو به كافر، لا كفراً باللهِ، وملائكته، وكتبه. وقال الشعبي: الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى. وقال غيره: من ردَّ حكماً من أحكام الله فقد كفر. قلتُ: وقد أجمعت الفقهاء على أنه من قال لا يجب الرجم على من زنى وهو محصنٌ أنه كافرٌ، لأنه ردَّ حكماً من أحكام الله جلَّ وعز. ويُروى أن حُذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم، هي فيهم، ولتسلكنَّ سبيلَهم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعلِ. وقال الحسن: أخذ الله جلَّ وعز على الحُكَّام ثلاثة أشياء: أن لا يتبَّعوا الهوى، وأن لا يَخَشَوُا النَّاسَ ويَخْشَوْه، وأن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. وأحسنُ ما قيل في هذا ما رواه الأعمش عن عبدالله بن مُرَّة، عن البراء قال: هي في الكفار كلُّها يعني ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأْولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ ﴿فَأْولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون﴾. [والتقدير على هذا القول: والذين لم يحكموا بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.