الباحث القرآني

وفي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ﴾. أقوال: أحدها: إذا توضَّأ من حدث ثم دخل عليه وقت الصلاة وهو على طهارة فليس عليه التوضؤ، وهذا الذي عليه أكثر الناس، وقد صحَّ أن النبي ﷺ صلَّى خمس صلواتٍ بوضوءٍ واحد. وقال زيد بن أسلم: أي إذا قمتم من المضاجع. والقول الثاني: إن الوضوء قد كان واجباً بهذه الآية على كل مريد للقيام إلى الصلاة، ثم نَسَخَ ذلكَ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ. والقول الثالث: إن على كل قائم إلى الصلاة مكتوبة الوضوء، كما روى شعبة عن مسعود بن علي قال: كان علي رضي الله عنه يتوضأ لكل صلاة ويتلو ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾. قال بعض أهل اللغة: المعنى مع المرافق، كما قال ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. أي مع الله. وهذا القولُ خطأٌ، لأن اليد عند العرب من الأصابع إلى الكتف، وإنما فُرِضَ غسلُ بعضها، فلو كانت "إلى" بمعنى "مع" لوجب غسل اليد كلها، ولم يحتج إلى ذكر المرافق. والمِرْفَقُ، ويُقال مَرْفِقٌ: ما بعد الأيدي مما يُرْتفَقُ عليه أي يُتكأ. ومعنى "إلى" ههنا الغاية، هي على بابها، إلا أنَّ أبا العباس قال: إذا كان الثاني من الأول فما بعد "إلى" داخلٌ فيما قبله، نحو قوله تعالى: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾. فالمرافقُ داخلةٌ في الغسل، وإذا كان ما بعدها ليس من الأول فليس بداخل فيه نحو ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّلْيلِ﴾. وقال غيره: ما بعد "إلى" ليس بداخل فيما قبلها، إلا أن المرافق غُسلت إتِّباعاً. * ثم قال جل وعز: ﴿وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾. والمعنى: فاغلسوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم على التقديم والتأخير. ومن قرأ (وَأَرْجُلِكُم) ففي قراءته أقوال: أحدها: إن المسح والغسل واحدٌ، قال ذلك أبو زيد. ومنه قولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، والتقدير وأَرْجلِكُم غَسْلاً. ودلَّ على هذا قوله ﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ فحدَّدها كما قال في اليدين ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾. ودلَّ عليه حديث النبي ﷺ "ويل للأعقابِ من النار". فلو كان المسح كافياً لجاز المسح على البعض. وروي عن الشعبي أنه قال: (نزل جبريل عليه السلام بالمسح، والغَسْلُ) سُنَّةٌ. والقول الثالث روي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز المسح. قال أبو جعفر: إلا أن عاصم بن كُلَيْب روى عن ابن عبدالرحمن قال: قرأ الحسن والحسين رحمة الله عليهما وعلى عليٍّ (وَأَرْجُلِكُمْ) فسمع عليٌّ ذلك، وكان يقضي بين الناس، فقال ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. وروى أبو اسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: اغسلوا الأقدام أي الكعبين، وكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس رحمهما الله أنهما قرأ ﴿وأرجَلَكُمْ﴾ بالنصب. والكعبُ: العظمُ الناتِىُء في آخر الساق عند القدم، وكل مفصل عند العرب كعبٌ، إلاَّ أنه لم يحتج أن يقال: الكعبُ الذي من قصته كذا لأنه ظاهرٌ بين. * وقوله جل وعز: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ﴾. كنايةٌ. والغائطُ في الأصلِ: ما انخفضَ من الأرضِ. ثم قال جل ذكره: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾. في معناه قولان: أحدهما: رواه عَبِيدة عن عبدالله بن مسعود أنه قال: "القُبْلُة من المسِّ، وكلُّ ما دونَ الجماع لمسٌ" وكذلك قال ابن عمر. ومحمد ين يزيد يميل إلى هذا القول، قال: لأنه قد ذكر في أول هذه السورة ما يجب على من جَامَع في قوله ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ﴾. وقال عبدالله بن عباس: اللَّمْسُ، والمَسُّ، والغَشَيانُ: الجماعُ، ولكنه جلَّ وعز كنَّى. وقال مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامَاً﴾. قال: إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنَوْا عنه. وقولُه عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾. أي فاقصدوا. والصعيدُ: وجه الأرضِ. قال ابن عباس: أطيب الصعيد الحَرْثُ. وقولُه جلَّ وعز: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾. قال مجاهد: أي من ضِيق. * ثم قال جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. وقرأ سعيد بن المسيب ﴿لِيُطْهِرَكم﴾ والمعنى واحد، كما يقال: نَجَّاه وأَنْجَاه.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.