الباحث القرآني

وقوله جل وعز: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾. فيه قولان: أحدهما: أنه قول الرجل، لا والله، وبلى والله، ورُوي هذا القول عن عائشة. قال الشافعي: وذلك عند اللَّجاج، والغضب، والعَجَلة. والقولُ الآخر: أن يحلف الرجل على الشيء هو عنده على ما حلف، ثم يكون على خلاف ذلك، يُروى هذا القول عن ابن عباس وأبي هريرة. واللَّغْوُ في اللغة: المُطّرح، فقيل لما لا حقيقة له من الأَيمان: لَغْوٌ. قال الكسائي: يُقال: لَغَا، يَلْغُو، لَغْواً، أو لَغِي، يَلْغَى، لغاً. * وقوله جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾. قال الكسائي: معنى ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ أوجبتم. قال ابن جريح: قلت لعطاء: ما معنى ﴿عَقَّدْتُمُ﴾؟ قال: واللهِ الذي لا إليه إلا هو. وقرأ أبو عمرو: ﴿عَقِّدْتُمْ﴾ قال معناه: وَكَّدتم. ورَوَى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكينٍ مداً، فإذا وكَّدَ اليمين أعتق رقبة. قيل لنافع: ما معنى وكَّد اليمينَ؟ قال: أن يحلفَ على الشيءِ مراراً. * وقوله جل وعز: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. المعْنى: فكفارة إثمه أي الذي يُغطِّي على إثمه. قال أبو جعفر: والهاء التي في ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدة على (ما) التي في ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾. وهذا مذهب الحسن والشعبي، لأن المعنى عندهما: فكفارة ما عقَّدتم منها. وقيل: الهاء عائدة على اللغو، والأول أولى. * ثم قال جل وعز: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال عبدالله بن عمر: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الخبزُ والتمر، والخبزُ والزيتُ. وأفضلُ ما تطعمونهم: الخبزُ واللَّحمُ. وقال الأسود: أوسط ما تطعمون أهليكم: الخبز والتمر. قال أبو إسحاق: يحتمل هذا ثلاثة معان في اللغة: يجوز أن يكون معنى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ من أعدل ما تطعمونهم. قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً﴾ أي عدلاً. ويحتمل أن يكون في القيمة. ويحتمل أن يكون في الشبع. وقرأ سعيدُ بن جبير: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كَإِسْوَتِهِمْ﴾ أي كإسوة أهليكم. ورُوي أن رجلاً قرأ على مجاهد: ﴿أَوْ كَإِسْوَتِهِم﴾ فقال له: لا تقرأْ إلاَّ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، وقال: أرى ذلك ثَوْباً. وفي قراءة عبدالله بن أبي بن كعب: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. أي ذلك كفارة إثم أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، ثم حذف. قال أبو جعفر: وكان "محمد بن جريرٍ" يختار في "أوْسَطِ" أن تكون بمعنى أعدل في القلة والكثرة قال: فأعدلُ أقواتِ الموسِع مُدَّانِ، وذلك أعلاه، وأعدلُ أقواتِ المقتر مُدٌّ، وذلك رُبْعُ صَاعٍ، و "ما" مصدر. فأمَّا الكسوةُ: فقال الحسنُ والطاووسٌ وعطاءٌ: ثوبٌ، ثوب. وقال سعيد بن المسيب: عَبَاءةٌ، وعِمَامة. وقال مجاهد: كلُّ ما كسا فهو مجزىء. وهذا أشبَهُ باللغة أن يكون كل ما وقع اسم كسوة، ممَّا يكون ثوباً فصاعداً، لأن ما دون الثوب لا خلاف في أنه لا يجوز.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.