الباحث القرآني

وقوله جلَّ وعزّ: ﴿وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾. هذه قراءةُ أهل المدينة، وأهل الكوفة، وابن الزُّبير، ومعناها: تلَوْتَ، وقَرأْتَ. وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﴿دَارَسْتَ﴾ وهو الصحيح من قراءة ابن عبّاس وسعيد بن جبير، ومجاهد وعكِرمة، وأبي عمرو، وأهل مكة. قال ابن عبّاس: معنى دارَسْتَ: تالَيْتَ. قال سعيد بن جبير: أي دارَسْتَ أهل الكتاب. وقرأ قتادة ﴿دُرِسَتْ﴾ أي قُرِئَتْ. وقرأ الحسن ﴿دَرَسَتْ﴾ أي امَّحَتْ وقَدُمَتْ. وروى سفيان بن عُيَيْنَه عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قرأ ﴿دَارَسَتْ﴾. وكان أبو حاتم يذهب إلى أنّ هذه القراءة لا تجوز، قال: لأن الآيات لا تُدارس. وقال غيره: القراءة بهذا تجوز، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم، ولكن معناه: دارَسَتْ أُمَّتُكَ أي دارَسَتْكَ أُمَّتُكَ، فإنْ كان لم يتقدَّم لها ذكر، فإنه يكون مثل قوله تعالى ﴿حتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾. وحكى الأخفش: (وَلِيَقُولُوا دَرُسَتْ)، وهو بمعنى دَرَسَتْ، إلاّ أنه أبلغ. وحكى أبو العبَّاس أنه يُقْرَأ (وَلْيَقُولُوا دَرَسْتَ) بإسكان اللام على الأمر، وفيه معنى التهديد، أي فليقولوا ما شاءوا، فإنَّ الحقَّ بيِّنٌ كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيَلاً، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾. فأمَّا من كَسَر اللاَّمَ فإنّها عنده لامُ "كَيْ". قال أبو إسحاق: وأهلُ اللغة يسمونها لامَ الصيرورة، أي صار إلى هذا، كما قال جلّ وعزّ: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، وكما تقول: كتَب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ، أي فصار أمرهُ إلى ذلك. وهذه القراءات كلّها يرجع اشتقاقها إلى شيء واحد إلى التَّلْيين والتَّذْليل. ودَرَسْتُ: قَرَأْتُ وذَلَّلْتُ، ودَرَسَتِ الدارُ: ذلَّتْ وامَّحَقتْ، ودَرَسَ الحنطة: أي دَاسها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.