الباحث القرآني

وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ﴾. المعنى فيما يُقال لهم: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، أي كثُر من أغويتم. * ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. ففي هذا قولان: أحدهما: إنَّ الجنّ أغوت الإِنس، وقبلتِ الإِنسُ منهم. والقول الآخر: أنَّ الرجل كان إذا سافر في الجاهلية فخاف، قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي من شرِّ ما أحذر، فهذا استمتاع الإِنس بالجنِّ. واستمتاع الجنِّ بالإِنس أنهم يعترفون أنّ الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يجدون. والقولُ الأول أحسنُ، ويدلُّ عليه ﴿يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ﴾. وقوله جلّ وعزّ: ﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾. المثوى: المقام. * ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾. في هذا قولان: أحدهما: أنّه استثناء ليس من الأول، والمعنى على هذا إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم. وسيبويه يُمَثِّل هدا بمعنى (لكن). والفرّاء يُمَثِّلُه بمعنى (سِوى) كما تقول: لأُسْكِننَّك هذه الدار حولاً، إلاَّ ما شئت، أي سِوى ما شئت من الزيادة، ومثلُه ﴿خَالِدِينَ فِيهِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أي سِوى ما شاء ربّك من الزيادة. قال أبو جعفر: وقال أبو إسحاق: معنى الاستثناء عندي ها هنا ـ والله أعلم ـ إنَّما هو من يوم القيامة، أي إلاَّ ما شاء ربُّك من مقدار محشرهم ومحاسبتهم. ويدلُّ على هذا الجواب: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾؛ لأن هذا يُراد به يوم القيامة، ويجوز أنْ يكون معنى ما شاء الله عزّ وجلّ أن يعذبهم من أصناف العذاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.