الباحث القرآني

وقولُه جلّ وعزّ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. قال أبو إسحاق: تأويل هذه الآية لطيفٌ جدّاً، أخبر اللهُ جلَّ وعزّ بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر فتنتَهم لم تكن حين رَأَوْا الحقائق إلاَّ أن انْتَفَوْا مِنَ الشِّرك، ونظيرُ هذا في اللغة أن ترى إنساناً يُحِبّ غاوياً، فإذا وقع في هَلَكهٍ تبرَّأ منه، فيقول له: ما كانت محبتُكَ إيَّاه إلاَّ أن تبرَّأتَ منه. فأمّا معنى قولهم: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثَاً﴾ معطوفٌ على ما قبله، والمعنى: وودّوا أنْ لا يكتموا الله حديثاً. والدليلُ على صحّة هذا القول أنّه: رُوِيَ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: اعتذروا وحلفوا، وكذلك قال ابن أبي نَجيح وقتادة. وروي عن مجاهد أنّه قال: لما رَأَوْا الذنوب تُغفر إلاّ الشِّرك، والناس يخرجون من النَّارِ إلاّ المشركين، قالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقولُ بعض أهل اللغة: إنما قالوا هذا على أنهم صادقون عند أنفسهم، ولم يكونوا ليكذبوا وقد عاينوا مَا عَاينوا، وقُطْرُبٌ يذهب إلى هذا القول، وهو قولٌ مردود؛ لأنه قال: لم يكونوا ليكذبوا، وبعدها ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. ويُبَيِّنُ لك الغَلَط في هذا القولِ قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ الآية. قال مجاهد: كذَّبهم الله. وقيل: معنى ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثَاً﴾: أنه ظاهر عنده.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.