الباحث القرآني

وقوله جل وعز ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ﴾. قال قتادة: الفقيرُ: المحتاجُ الذي له زمَانَةٌ، والمسكينُ: الصحيحُ المحتاجُ. وقال مجاهد والزهري: الفقيرُ: الذي لا يَسْألُ، والمسكينُ: الذي يَسْألُ. حدَّثنا محمد بن إدريس بن أسود، قال: نا يونُس، قال: أنبأنا ابنُ وهب: قال: أخبرني جرير بن حازم، عن علي بنِ الحَكَم، عن الضَّحاك، قال: "الفقراءُ: من المهاجرين، والمساكينُ: من الأعراب". قال وكان ابن عباس يقول: الفقراءُ: من المسلمين، والمساكينُ: من أهل الذمة. قال أبو جعفر الذي قاله الزهري ومجاهد حَسَنٌ، لأن المسكين مأخوذٌ من السُّكون والخضوع، فالَّذِينَ يَسْألون يظهر عليهم السكونُ والخضوعُ. وإن كان الذي يسألُ، والذي لا يسألُ، يجتمعان في اسم الفقر، فإن الطي يظهر عليه مع الفقر ما ذكرنا. وفقِيرٌ في اللغة: إنَّما يُعْرَفُ بأنْ يُقال: إلى كَذَا. فالمعنى، والفقراءُ إلى الصدقة، ومسكينٌ عليه ذلةٌ، لأنه قد يكون به فقرٌ إليها، ولا ذلَّةَ عليهِ فيها. وقال أهلُ اللغة: لا نعلمُ بينهم اختلافاً. الفقير الذي له بُلْغَةٌ، والمسكينُ: الذي لا شيءَ له. وأنشدوا: أمَّا الفَقِيرُ الَّذي كَانَتْ حَلُوبتُهُ * وَفْقَ العِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ. وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقيرٌ أنتَ؟ فقال: لا بل مسكينٌ. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ: "ليسَ المِسْكِينُ بالطَّوافِ، الذي تَردُّه اللُّقمةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرةُ والتمرتان، ولكن المسكينُ الذي لا يَسْأل، ولا يُفْطَنُ له فيُعْطَى، ولا يجدُ غنىً يُغْنيه". قال أبو جعفر: قال علي بن سليمان: الفقيرُ: مشتقٌّ من قولهم: فَقَرْتُ له فَقْرَةً من مالي، أي أعطيته قطعةً، فالفقير [على هذا] الذي له قطعةٌ من المال. والمسكينُ: مأخوذٌ من السكون، كأنه بمنزلةِ من لا حَرَكَةَ له. وقال بعض الفقهاء: المسكينُ: الذي له شيءٌ، واحتجَّ بقول الله عز وجل: ﴿أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى البَحْرِ﴾. قال ابو جعفر: وهذا الاحتجاج لا يلزم، لأنك تقولُ: هذا التَّمْر لهذه النخلة، وهذا البَيْتُ لهذه الدار، لا تريد المِلْكَ، فيجوز أن يكون قيل "لمساكين" لأنهم كانوا يعملون فيها. وقد قيل: إنه إنما هو تمثيلٌ، كما قال النَّبِيُّ ﷺ لبعض النساء: "يا مِسكينةُ عليكِ السَّكِينةُ". ثم قال عزَّ وجل ﴿وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم السُّعاة ومن كان مثلهم. * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال الشعبي: هؤلاء كانوا في وقتِ النبيِّ ﷺ يُتَألَّفُون، فلمَّا وُلِّيَ أبو بكر رضي الله عنه زَالَ هذا. قال أبو جعفر: حديثُ الشعبي إنما رَواه عنه جابرٌ الجُعْفيُّ، وقد قال يونُس: سألتُ الزُّهْرِيَّ قال: لا أعلمُ أنه نُسخ من ذلك شيءٌ. فعلى هذا، الحُكْمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحدٌ يحتاج إلى تألُّفِه، ويُخاف أن يلحق المسلمينَ منه آفةٌ أو يُرجى أن يَحْسُنَ إسلامُه بعد، دُفع إليه. * ثم قال جل وعز ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾. أي وفي فكِّ الرقاب. قيل: هم المُكَاتِبُونَ. وقيل: تبتاعُ الرِّقابُ فيكونُ الوَلاَءُ للمسلمين. * ثم قال جل وعز ﴿وَٱلْغَارِمِينَ﴾. قال مجاهد: "هم الذين أحرقت النار بيوتهم، وأذهب السيل مالهم فادَّانوا لعيالهم". ورُوِيَ عن أبي جعفر، ومجاهد، وقتادة، قالوا: الغارمُ: من استدَانَ لغير معصية. قال أبو جعفر: وهذا لا يكون غيره، لأنه إذا كان ذا دينٍ في معصيةٍ، فقُضِيَ عنه، فقد أُعِينَ على المعصية. والغُرم في اللغة: الخُسْرَان، فكأنَّ المستدينَ لا يجد قضاء دينه، قد خسر ماله، ومنه: ﴿إنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ أي هلاكاً وخُسراناً. * ثم قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي في طاعة الله، أي للمجاهدينَ، والحُجَّاج ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾. روى جابر عن أبي جعفر أنه قال: هو المجتازُ من أرضٍ إلى أرض. قال أبو جعفر: والسبيلُ في اللغة: الطريقُ، فابنُ السبيل هو الذي قُطعت عليه الطريق، أو جاء من أرض العدوِّ، وقد أُخِذَ مالُهُ. قالت الفقهاء: أبناء السبيلِ الغائبون عن أموالهم، الذين لا يصلون إليها، لبعد المسافة بينهم وبينها، حتى يحتاجوا إلى الصدقة، فهي إذ ذاك لهم مباحةٌ، فقد صاروا إلى حكم من لا مَالَ له. رَوَى المنهال بن عمروٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، عن حُذيفة في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ﴾. قال: إنَّما ذكرَ اللهُ هذهِ الصَّدَقَات لتُعرف، وأيَّ صنفٍ أعطيتَ منها أجزاك. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ﴾ قال: في أيها وضعتَ أجَزَأ عنك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.