الباحث القرآني

قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ يعني: راودته عما أرادت عليه، مما تريد النساء من الرجال، فعلم بذلك ذكر الفاحشة الذي راودته عليه. ومعناه: طلبت إليه أن يمكنها من نفسه، يعني: امرأة العزيز واسمها زليخا وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ عليها وعلى يوسف، وجعلت تغمزه وتمازحه، ويوسف يعظها بالله ويزجرها. وروي عن ابن عباس، أنه قال: «كان يوسف إذا تبسم، رئيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يذهب من بين يديه، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته» . فقالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي. ثم قالت: يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك! قال: هو للتراب يأكله. ثم قالت: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي. وَقالَتْ: يا يوسف، هَيْتَ لَكَ. قرأ حمزة والكسائي وعاصم، هَيْتَ لَكَ بنصب الهاء والتاء، بمعنى: أقبل، ويقال: هلم إليّ، والعرب تقول: هيت فلان لفلان، إذا دعاه وصاح به، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن. وقرأ ابن عامر في رواية هشام هِئْتُ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك. وقرأ ابن كثير هَيْتَ لك بنصب الهاء وضم التاء، ومعناه: أنا لك، وأنا فداؤك، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين هَيْتَ بكسر الهاء ونصب التاء، بغير همز. قالَ مَعاذَ اللَّهِ قال يوسف: أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه. إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ يعني: إنه سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك. إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى، وفي هذه الآية دليل: أن معرفة الإحسان واجب، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين: لأجل المعصية والظلم، ولأجل إحسان الزوج إليه. قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها روى حماد بن سلمة عن الكلبي أنه قال: كان من همها أنها دعته إلى نفسها واضطجعت، وهَمَّ بها بالموعظة والتخويف من الله تعالى، وقيل: إنه حلَّ سراويله، وجلس بين رجليها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يقول: مثل له يعقوب في الحائط عاضاً على شفتيه، فاستحيا، فتنحى بنفسه. وقال وهب بن منبه: لم تزل تخدعه حتى همَّ بها، ودخل معها في فراشها، فنودي من السماء: مهلاً يا يوسفُ، فإنك لو وقعت في خطيئة محي اسمك عن ديوان النبوة. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ما بلغ من همه؟ قال: «أطلق هميانه فنودي: يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنى، فسقط ريشه» . ويقال: كان همها هم إرادة وشهوة، وهمه همّ اضطرار وغلبة. وقال بعضهم: كان همه حديث النفس والفكر وهما مرفوعان. وقال بعضهم: هَمَّ بِها يعني: يضربها. وقال بعضهم: يعني: هم بالفرار عنها. وقال بعضهم: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ تم الكلام، ثم قال: وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يعني: لما رأى البرهان لم يهم بها، فقد قيل هذه الأقاويل، والله أعلم. وقد روي في الخبر: «أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش. وقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «مثل له يعقوب، فضرب بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله» . وقال محمد بن كعب لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنى، وذلك أنه استقبل بكتاب لله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] . قال الله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ يقول: هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان، حين استعاذ إليّ بقوله: معاذ الله. ثم قال: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ بالتوحيد والطاعة. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الْمُخْلَصِينَ بكسر اللام، ومعناه ما ذكرناه. وقرأ الباقون الْمُخْلَصِينَ بالنصب، يعني: المعصومين من الذنوب والفواحش، ويقال: أخلصه الله بالنبوة والرسالة والإسلام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب