الباحث القرآني

قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، يعني: إن لم تنصروه ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك، فالله ينصره كما نصره، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: كفار مكة من مكة. ثانِيَ اثْنَيْنِ، يعني: كان واحداً من اثنين، يعني: رسول الله ﷺ وأبا بكر ولم يكن معهما غيرهما، فنصرهما الله تعالى. إِذْ هُما فِي الْغارِ وذلك حين أراد أهل مكة قتله، فهاجر النبيّ ﷺ من مكة إلى المدينة فجاء النبيّ ﷺ إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فجلس إلى أن جاء أبو بكر، فقبّل رأس النبيّ ﷺ فقال: ما لك، بأبي أنت وأمي. قال: «مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ» . فقال أبو بكر: دمي دون دمك، ونفسي دون نفسك، لا يصنع بك شيء، حتى يبدأ بي. فقال: «اخْلُ بِي» . قال أبو بكر: ليس بك عين، إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة. قال: «قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ» مِنْ مَكَّة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج، فخذ إحداهما واركبه. قال: «لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ» فأخذه بالثمن، وهي ناقته القصواء. فأمر النبيّ ﷺ علي بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبيّ ﷺ ومعه أبو بكر، حتى أتيا ثورا، جبلا بأسفل مكة [[من حديث عائشة: «أخرجه البخاري (2297) و (3905) وأحمد: 6/ 198.]] . قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال: حدثنا الفرات، عن ميمون بن مهران، عن ضبّة بن محصن، عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: «والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآله» . قيل: وأيه ليلة هي؟ قال: «لما خرج رسول الله هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبعه أبو بكر، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه، ومرةٌ عن يمينه، ومرةٌ عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ: «مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك وعن يسارك، لا آمن عليك» . قال: «فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه، حتى حفيت، فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت، حمله على عاتقه وجعل يشتد به، حتى أتى فم الغار فأنزله ثمّ قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا تدخله حتى أدخله أنا، فإن كان من شيء نزل بي قبلك. فدخل فلم ير شيئاً، فحمله وأدخله» [[عزاه السيوطي: 4/ 197 إلى البيهقي في الدلائل.]] . وقال في رواية محمد بن إسحاق: «كان الغار معروفاً بالهوام، فجعل أبو بكر يسد الجحر، حتى بقي جحران، فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر: «وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله ﷺ، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه، وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم الذي يجده ورسول الله ﷺ يقول: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: الطمأنينة لأبي بكر» ، وهذه ليلته. قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمرو بن عليّ قال: حدثنا عون بن عمرو القيسي، عن مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون النبي ﷺ ليلة الغار، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبيّ ﷺ، فسترت وجه النبيّ ﷺ، وإن الله تعالى بعث العنكبوت، فنسجت ما بينهما، فسترت وجه رسول الله ﷺ، وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تزقان، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من النبيّ ﷺ على قدر مائتي ذراع قال الدليل سراقة بن مالك: انظروا في هذا الحجر، ثم قال: أين وضع رجله؟ قال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة أثره، حتى إذا أصبحنا قال للفتيان: انظروا إلى فم الغار- فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبيّ ﷺ على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بغم الغار [[ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .]] -، فرجعوا فقالوا: رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد. فسمعهم النبي ﷺ، فعرف أن الله درأ بهما عنه، فشمّت لهما، يعني: بارك عليهما، وأحرزهما الله تعالى في الحرم، فأفرختا كما هما إلى الآن [[عزاه السيوطي 4/ 200 إلى ابن مردويه و 4/ 201 إلى ابن سعد وابن مردويه.]] . وفي خبر آخر زيادة: وقد كان أمر أبو بكر عامر بن فهيرة أن يريح إليه غنمه بثور، وكان يريح إليهما غنمه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم ويحلبان كل ليلة ما أرادا. فلما نفدوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر وعامر بن فهيرة، واستأجر رجلاً من بني الدّيل يهديهم الطريق، يقال له عبد الله بن أريقط، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة. ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان، ففطن سراقة بن مالك بن جعثم آثارهم، فلبس لأمته، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله ﷺ. فدعا عليه رسول الله ﷺ فرسخت قوائم فرسه فقال: يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي، فإني أرى الحي قد التمسوني، فأن أكون وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ» فانطلق فرسه. فقال: يا محمد خذ سهماً من كنانتي، فمر به على إبلي، فإن أردت حمولة فخذ، وإن أردت لبونا فخذ. فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون رسول الله ﷺ، قال لهم: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم من بصيرتي وقفوّي بالآثار. قال: فرجعوا عنه، فقدم النبيّ ﷺ مع أبي بكر المدينة، فذلك قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ. قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإنما كان أبو بكر يخاف على نفس رسول الله ﷺ، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، لا على نفسه إِنَّ اللَّهَ مَعَنا في الدفع عنا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، يعني: طمأنينته عَلَيْهِ. يعني: طمأنينته على أبي بكر. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في رواية الكلبي فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني: «على رسول الله ﷺ، حتى سكن واطمأن» . قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا أبو سوار، عن أبي العطوف، عن الزهري قال قال: رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت الأنصاري: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً؟» قال: نعم. قال: «فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ» ، فقال: وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد ... طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رجلا قال: فضحك رسول الله ﷺ، حتى بدت نواجذه وقال: «صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ» [[عزاه السيوطي 4/ 199 إلى ابن عدي وابن عساكر.]] . ثم قال تعالى: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني: يوم بدر والأحزاب وحنين وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، يعني: الشرك بالله. وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، يعني: شهادة أن لا إله إلا الله. قرأ الأعمش ويعقوب الحضرمي وَكَلِمَةُ اللَّهِ بالنصب، يعني: وجعل كلمة الله. وقراءة العامة بالضم على معنى الاستئناف وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب