الباحث القرآني

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، صدقوا بالله ورسوله وآي كتابه. * * * ويعني بقوله:"أنفقوا"، زكُّوا وتصدقوا، كما:- ٦١٢٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"أنفقوا من طيبات ما كسبتم" يقول: تصدَّقوا. * * * القول في تأويل قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني بذلك جل ثناؤه: زكوا من طيّب ما كسبتم بتصرُّفكم= إما بتجارة، وإما بصناعة= من الذهب والفضة. ويعني ب"الطيبات"، الجياد، يقول: زكوا أموالكم التي اكتسبتموها حلالا وأعطوا في زكاتكم الذهبَ والفضة، الجيادَ منها دون الرديء، كما:- ٦١٢١ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" قال: من التجارة. ٦١٢٢ - حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله. ٦١٢٣ - حدثني حاتم بن بكر الضبّي، قال: حدثنا وهب، عن شعبة، عن الحكم، عن جاهد، مثله. ٦١٢٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في قوله:"أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، قال: التجارة الحلال. ٦١٢٥ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل:"أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، قال: ليس في مال المؤمن من خبيث، ولكن لا تيمموا الخبيث منه تنفقون. ٦١٢٦ - حدثني عصام بن روّاد بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: سألت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن قوله:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" قال: من الذهب والفضة. ٦١٢٧ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"من طيبات ما كسبتم"، قال: التجارة. ٦١٢٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ٦١٢٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"أنفقوا من طيبات ما كسبتم" يقول: من أطيب أموالكم وأنفَسِه. [[الأثر: ٦١٢٩ -في الدر المنثور ١: ٣٤٦، وسيأتي الأثر بتمامه في رقم: ٦١٥٢ وقوله: "من أطيب أموالكم وأنفسه"، وهو صحيح في العربية، يعود ضمير المفرد، على الجمع في"أفعل"، وقد مضى ما قلنا في ذلك التعليق على الأثر: ٥٩٦٨، وإن اختلفت العبارتان وافترقتا. وانظر همع الهوامع ١: ٥٩.]] . ٦١٣٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، قال: من هذا الذهب والفضة. [[في المطبوعة: حذف"هذا" لغير شيء!! .]] . * * * القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأنفقوا أيضا مما أخرجنا لكم من الأرض، فتصدقوا وزكوا من النخل والكرم والحنطة والشعير، وما أوجبت فيه الصدقة من نبات الأرض. كما:- ٦١٣١ - حدثني عصام بن رواد، قال: ثني أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: سألت عليا صلوات الله عليه عن قول الله عز وجل:"ومما أخرجنا لكم من الأرض"، قال: يعني من الحب والثمر وكل شيء عليه زكاة. ٦١٣٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"ومما أخرجنا لكم من الأرض"، قال: النخل. ٦١٣٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ومما أخرجنا لكم من الأرض"، قال: من ثمر النخل. ٦١٣٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد قوله:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم"، قال: من التجارة="ومما أخرجنا لكم من الأرض"، من الثمار. ٦١٣٥ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ومما أخرجنا لكم من الأرض"، قال: هذا في التمر والحب. * * * القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه"ولا تيمموا الخبيث"، ولا تعمدوا، ولا تقصدوا. * * * وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ولا تؤموا﴾ من"أممت"، [[في المطبوعة: "ولا تأمموا"، وكذلك في القرطبي، ولكن أبا حيان في تفسيره ١: ٣٢٨ قد نص على أن الطبري حكى قراءة عبد الله: "ولا تأملوا" من"أمت"، فوافق ما في المخطوطة، فأثبتها كذلك، وهي الصواب إن شاء الله.]] وهذه من"يممت"، [[في المخطوطة والمطبوعة: "تيممت"، وهو سقيم، والصواب ما أثبت. وأموا المكان ويموه، بمعنى واحد، وهي على البدل، أبدلت الهمزة ياء، ولذلك كانت في مادة (أمم) من دواوين اللغة، غير الجوهري.]] والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ. * * * يقال:"تأممت فلانا"، و"تيممته"، و"أممته"، بمعنى: قصدته وتعمدته، كما قال ميمون بن قيس الأعشى: تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن [[ديوانه: ١٦، وسيأتي في التفسير ٥: ٦٩ (بولاق) . وهو من قصيدته التي أثنى فيها على قيس بن معد يكرب الكندي، وهي أول كلمة قالها له. وقد مضت منها أبيات في ١: ٣٤٥، ٣٤٦، /٣: ١٩١/٥: ٣٩٠ وامهمه: الفلاة المقفرة البعيدة، لا ماء بها ولا أنيس، والشزن والشزونة: الغلظ من الأرض.]] وكما:- ٦١٣٦ - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تيمموا الخبيث"، ولا تعمدوا. ٦١٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"ولا تيمموا" لا تعمدوا. ٦١٣٨ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه ب"الخبيث": الرديء، غير الجيد، يقول: لا تعمدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم فتصدقوا منه، ولكن تصدقوا من الطيب الجيد. * * * وذلك أن هذه الآية نزلت في سبب رجل من الأنصار علق قنوا من حشف - [[القنو: الكباسة، وهي العذق التام بشماريخه ورطبه، هو في التمر، بمنزله العنقود من العنب، وجمعه: أقناء. والحشف: هو من التمر ما لم ينو، فإذا يبس صلب وفسد، لا طعم له ولا لحاء ولا حلاوة.]] في الموضع الذي كان المسلمون يعلقون صدقة ثمارهم- صدقة من تمره. * ذكر من قال ذلك: ٦١٣٩ - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض" إلى قوله:"والله غني حميد"، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ، فيأكل فقراء المهاجرين منه. فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز. فأنزل الله عز وجل فيمن فعل ذلك:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، قال لا تيمموا الحشف منه تنفقون. [[الأثر: ٦١٣٩ -الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، مضى في رقم ١٦٢٥: ١٨٨٣، وهو لين يتكلمون فيه. وأبوة: عمرو بن محمد، ثقة جائز الحديث. أخرجه الحاكم في المستدرك،: ٢: ٢٨٥ من طريق عمرو بن طلحة القناد، عن أسباط بن نصر، وقال: "هذا حديث غريب صحيح على شرطه مسلم، ولم يخرجاه"، وافقه الذهبى. وذكره ابن كثير في تفسير ٢: ٤٠، ٤١ ونسبه للحاكم، وأنه قال: "صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه" فاختلف نص كلام الحاكم. وسيأتي تمامه برقم: ٦١٥٩، ٦١٦٧. قوله: "جذاذ النخل"بالذال هنا وفي المستدرك. وجذ النخل جذاذا، صرمه. والأشهر فيه بالدال المهملة: "جد النخل يجده جدادا"، صرمه وقطف ثمره. والحيطان جمع حائط: وهو بستان النخل يكون عليه حائط، فإذا لم يكن عليه حائط. فهو ضاحية. وقوله: "أقناء البسر" الأقناء جمع قنو، وقد سلف في التعليق الماضي. والبسر: التمر قبل أن يرطب، سمى كذلك لغضاضته، واحدته بسرة، ثم هو بعد البسر، رطب، ثم تمر.]] . ٦١٤٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، زعم السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب بنحوه= إلا أنه قال: فكان يعمد بعضهم، فيدخل قنو الحشف= ويظن أنه جائز عنه= في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، القنو الذي قد حشف، ولو أهدي إليكم ما قبلتموه. [[الأثر: ٦١٤٠ -هذا إسناد آخر للخبر السالف وسيأتي تمامه برقم: ٦١٦٠ وحشف التمر: صار حشفا. وقد مضى تفسيره في التعليق ص: ٥٥٩ رقم: ١. وقوله: "جائز عنه"، أي سائغ مجزي عنه من قولهم: "جاز جوازا"، وأجاز له الشيء وجوزه: إذا سوغ له ما صنعه وأمضاه. وهو تعبير نادر لم تقيده كتب اللغة، ولكنه عربي معرق.]] . ٦١٤١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب، قال: كانوا يجيئون في الصدقة بأردإ تمرهم وأردإ طعامهم، فنزلت:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" الآية. [[الأثر: ٦١٤١ -رواه البيهقي في السنن ٤: ١٣٦ من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن السدي بغير هذا اللفظ، وأتم منه.]] . ٦١٤٢ - حدثني عصام بن رواد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سألت عليا عن قول الله:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، قال: فقال علي: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه، [[صرم النخل والشجر يصرمه صرما وصراما: قطع ثمرها واجتناها، مثل الجذاذ والجداد فيما سلف في التعليقات ص: ٥٦٠.]] فيعزل الجيد ناحية. فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال عز وجل:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون". ٦١٤٣ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الجليل بن حميد اليحصبي، أن ابن شهاب حدثه، قال: ثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله عز وجل:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون" قال: هو الجعرور، ولون حبيق، فنهى رسول الله ﷺ أن يؤخذ في الصدقة. [[الأثر: ٦١٤٣ -عبد الجليل بن حميد اليحصبي، أبو مالك المصري. روي عن الزهري، ويحيى بن سعيد وأيوب السختياني، وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وموسى بن سلمة، وابن وهب، وغيرهم من المصريين. قال النسائي، "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٤٨، مترجم في التهذيب. وهذا الأثر روته النسائي، عن يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عبد الجليلي بن حميد، في السنن ٥: ٤٣، وآخره" ... أن تؤخذ الصدقة الرذالة". وروي من طرق أخرى في سنن أبي داود ٢: ١٤٩ رقم: ١٦٠٧، والحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٤ من طريق سفيان ابن حسين عن الزهري، ومن طريق سليمان بن كثير عن الزهري وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن ٤: ١٣٦، وانظر تفسير ابن كثير ٢: ٤٢، ٤٣. الجعرور (بضم الجيم) . ضرب من التمر صغار لا خير فيه. واللون: نوع من النخل، قيل: هو الدقل، وقيل: النخل كله ما خلا البرني والعجوة، تسميه أهل المدينة"الألوان". وابن حبيق: رجل نسب إليه هذا النخل الرديء، فقيل: لون الحبيق. وتمره رديء أغبر صغير، مع طول فيه.]] . ٦١٤٤ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، قال: كانوا يتصدقون - يعني من النخل- بحشفه وشراره، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتصدقوا بطيبه. ٦١٤٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" إلى قوله:"واعلموا أن الله غني حميد"، ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان على عهد نبي الله ﷺ، فيعمد إلى أردئهما تمرا فيتصدق به، ويخلط فيه من الحشف، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه. ٦١٤٦ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، قال: تعمد إلى رذالة مالك فتصدق به، [[رذالة كل شيء: أردؤه حين ينتقى جيده، ويبقي رديئه. وهو من رذالة الناس ورذالهم. (بضم الراء فيها جميعا) .]] ولست بآخذه إلا أن تغمض فيه. ٦١٤٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: كان الرجل يتصدق برذالة ماله، فنزلت:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون". ٦١٤٨ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، قال: في الأقناء التي تعلق، [[قوله: "التي تعلق" مكانها بياض في المخطوطة. وقوله بعد: "فرأى فيها حشفا"، أي رأى رسول الله ﷺ.]] فرأى فيها حشفا، فقال: ما هذا؟ = قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علق إنسان حشفا في الأقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما هذا؟ بئسما علق هذا!! فنزلت:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون". * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تيمموا الخبيث من الحرام منه تنفقون، [[في المخطوطة والمطبوعة: "فيه تنفقون"، وهو خطأ بين.]] . وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب. * ذكر من قال ذلك: ٦١٤٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد - وسألته عن قول الله عز وجل:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، - قال: الخبيث: الحرام، لا تتيممه تنفق منه، فإن الله عز وجل لا يقبله. * * * قال أبو جعفر: وتأويل الآية هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا [عنه] من أصحاب رسول الله ﷺ، [لصحة إسناده] ، واتفاق أهل التأويل في ذلك= [[الزيادة بين الأقواس لا بد منها حتى يستقيم الكلام. (عنه) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة. أما الزيادة الثانية، فمكانها بياض في المخطوطة، فأغفله الطابع وساق الكلام سياقا واحدا]] دون الذي قاله ابن زيد. [[في المخطوطة: "قاله ابن" وبعد ذلك بياض. والذي في المطبوعة هو الصواب.]] . * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، و"الهاء" في قوله:"بآخذيه" من ذكر الخبيث="إلا أن تغمضوا فيه"، يعني: إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم. يقال منه:"أغمض فلان لفلان عن بعض حقه، فهو يغمض، ومن ذلك قول الطرماح بن حكيم: لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ م رجال يرضون بالإغماض [[ديوانه: ٨٦، من قصيدة مجد فيها قومه، وقبله: إننا معشر شمائلنا الصبر، ... إذا الخوف مال بالأحفاض نصر للذليل في ندوة الحي، ... مرائيب للثأي المنهاض من يرم جمعهم يجدهم مر ... اجيح حماة للعزل الأحراض الأحفاض: الإبل الصغار الضعاف، ويعنى الضعاف من الناس، لا يصبرون في حرب. مرائيب: من الرأب، وهو الإصلاح، مصلحون. والثأى: الفساد. والمنهاض: الذي فسد بعد صلاح فلا يرجى إصلاح إلا بمشقة. مراجيح: حلماء لا يستخفهم شيء. والأحراض: الضعاف الذين لا يقاتلون. والإغماض: التغاضي والمساهلة. يقول نحن أهل بأس وسطوة، فما أصاب منا أحد فنجا من انتقامنا، ولسنا كأقوام يرضون بالضيم، فيتغاضون عن إدراك تأثرهم ممن نال منهم.]] * * * قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم. * ذكر من قال ذلك: ٦١٥٠ - حدثنا عصام بن رواد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: سألت عليا عنه فقال:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له. ٦١٥١ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: لو كان لرجل على رجل، فأعطاه ذلك لم يأخذه، إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه. [[الأثر: ٦١٥١ -هو من تمام الأثر: ٦١٤١.]] . ٦١٥٢ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوا بحساب الجيد حتى تنقصوه، فذلك قوله:"إلا أن تغمضوا فيه"، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسها؟ [[في المطبوعة: "وأنفسها" وأثبت ما في المخطوطة. وهذا الأثر بنصه وتمامه في الدر المنثور ١: ٣٤٦، وانظر التعليق على الأثر: ٦١٢٩، وقوله: "وأنفسه" بضمير الإفراد.]] . وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . [سورة آل عمران: ٩٢] . ٦١٥٣ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه" قال: لا تأخذونه من غرمائكم ولا في بيوعكم إلا بزيادة على الطيب في الكيل. ٦١٥٤ - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، وذلك أن رجالا كانوا يعطون زكاة أموالهم من التمر، فكانوا يعطون الحشف في الزكاة، فقال: لو كان بعضهم يطلب بعضا ثم قضاه، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه. ٦١٥٥ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه" يقول: لو كان لك على رجل دين فقضاك أردأ مما كان لك عليه، هل كنت تأخذ ذلك منه إلا وأنت له كاره؟ ٦١٥٦ - حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم" إلى قوله:"إلا أن تغمضوا فيه" قال: كانوا -حين أمر الله أن يؤدوا الزكاة- يجيء الرجل من المنافقين بأردإ طعام له من تمر وغيره، فكره الله ذلك وقال:"أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض"، يقول:"لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: لم يكن رجل منكم له حق على رجل فيعطيه دون حقه فيأخذه، إلا وهو يعلم أنه قد نقصه= فلا ترضوا لي ما لا ترضون لأنفسكم= فيأخذ شيئا، وهو مغمض عليه، أنقص من حقه. * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث - إذا اشتريتموه من أهله -بسعر الجيد، إلا بإغماض منهم لكم في ثمنه. * ذكر من قال ذلك: ٦١٥٧ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن الحسن:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، قال: لو وجدتموه في السوق يباع، ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. ٦١٥٨ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: لستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يغمض لكم فيه. * * * وقال آخرون: معناه: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم، إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم. * ذكر من قال ذلك: ٦١٥٩ - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، قال: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة. [[الأثر: ٦١٥٩ -هو تمام الأثر السالف: ٦١٣٩.]] . ٦١٦٠ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، قال: زعم السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء نحوه= إلا أنه قال: إلا على استحياء من صاحبه، وغيظا أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة. [[الأثر: ٦١٦٠ -هو تمام الأثر السالف: ٦١٤٠.]] . * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم. * ذكر من قال ذلك: ٦١٦١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل:"ولستم بآخذيه"، يقول: ولستم بآخذيه من حق هو لكم="إلا أن تغمضوا فيه"، يقول: أغمض لك من حقي. * * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه. * ذكر من قال ذلك: ٦١٦٢ - حدثني يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله:"ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه" -قال: يقول: لست آخذا ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم = قال: وفي كلام العرب: أما والله لقد أخذه، ولقد أغمض على ما فيه" = وهو يعلم أنه حرام باطل. * * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل حث عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، [["وفرضها عليهم" أي الزكاة. "فيها": في أموالهم.]] . فصار ما فرض من ذلك في أموالهم، حقا لأهل سهمان الصدقة. ثم أمرهم تعالى ذكره أن يخرجوا من الطيب- وهو الجيد من أموالهم- الطيب. [[قوله: "الطيب" الثانية، مفعول"يخرجوا".]] وذلك أن أهل السهمان شركاء أرباب الأموال في أموالهم، بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها. فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر ملكه، وليس لأحدهما منع شريكه من حقه من الملك الذي هو فيه شريكه، بإعطائه -بمقدار حقه منه- من غيره مما هو أردأ منه أو أخس. [[في المطبوعة"أو أحسن"، وهو فاسد كل الفساد. والصواب من المخطوطة.]] فكذلك المزكي ماله، حرم الله عليه أن يعطي أهل السهمان= مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق، فصاروا فيه شركاء= [[سياق الجملة: أن يعطى أهل السهمان ... من الخبيث الرديء غيره.]] من الخبيث الرديء غيره، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيب من ماله الجيد، كما لو كان مال رب المال رديئا كله غير جيد، فوجبت فيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فيه شركاء بما أوجب الله لهم فيه لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حقهم. فقال تبارك وتعالى لأرباب الأموال: زكوا من جيد أموالكم الجيد، ولا تيمموا الخبيث الرديء، تعطونه أهل سهمان الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم، [[في المطبوعة: "وتمنعونهم الواجب ... "، والذي في المخطوطة صواب، معطوف على: "ولا تيمموا الخبيث".]] ولستم بآخذي الرديء لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قبل من وجب لكم عليه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم، إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأخذه. يقول: ولا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حق، ما لا ترضون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم. فأما إذا تطوع الرجل بصدقة غير مفروضة، فإني وإن كرهت له أن يعطي فيها إلا أجود ماله وأطيبه، لأن الله عز وجل أحق من تقرب إليه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قربان المؤمن= فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره= وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله عز وجل= من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه. [[سياق هذه الجملة: ربما كان أعم نفعا لكثرته ... وأحسن موقعا من المسكين ... من الجيد لقلته ...]] . * * * وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم. * ذكر من قال ذلك: ٦١٦٣ - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه"، قال: ذلك في الزكاة، الدرهم الزائف أحب إلي من التمرة. ٦١٦٤ - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن ذلك، فقال: إنما ذلك في الزكاة، والدرهم الزائف أحب إلي من التمرة. ٦١٦٥ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه"، فقال عبيدة: إنما هذا في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدرهم الزائف خير من التمرة. ٦١٦٦ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين في قوله:"ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون" قال: إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدرهم الزائف، والدرهم الزائف خير من التمرة. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل غني عن صدقاتكم وعن غيرها، [[انظر تفسير"غنى"فيما سلف من هذا الجزء ٥: ٥٢١.]] وإنما أمركم بها، وفرضها في أموالكم، رحمة منه لكم ليغني بها عائلكم، [[العائل: الفقير. عال الرجل يعيل علية: افتقر.]] . ويقوي بها ضعيفكم، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم، لا من حاجة به فيها إليكم. * * * ويعني بقوله:"حميد"، أنه محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله. كما:- ٦١٦٧ - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قوله:"والله غني حميد" عن صدقاتكم. [[الأثر: ٦١٦٧ -هو تمام الأثر السالف: ٦١٣٩.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.